عفيف الدين التلمساني

62

شرح مواقف النفري

وإليه الإشارة بما ورد أنه ما انتقم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لنفسه إلا أن تنتهك حرمة هي للّه فينتقم للّه بها ، فقد كان صلى اللّه عليه وسلم في مقام خلافة للّه تعالى ، ومقام خلافته تبارك وتعالى التي هي الأصول ثلاثة : 1 - أحدها : مقام خلافة الرحمانية المختصة بالرحمن وهو الجمال وقد ذكرته . 2 - والثاني : مقام خلافة الجبار تبارك وتعالى وهو مقام الغضب نعوذ باللّه الرحمن منه وهو المذكور في هذا التنزل وذلك هو الجلال . 3 - والثالث : مقام جمع بينهما ، وحضرة هيمنة عليهما ، وذلك هو حضرة الاسم الجامع الذي هو بإزاء الذات وهو اسم اللّه تعالى ، وذلك هو الكمال . فمقام موسى عليه السلام ومن هو على قلبه هو مقام الجلال ، ولذلك قال لقومه اقتلوا أنفسكم ، فكان أحدهم يقتل ولده وأخاه وأباه ونفسه ، فمات منهم في موقف واحد سبعون ألفا كما قيل واللّه أعلم بذلك . ومقام عيسى عليه السلام ومن هو على قلبه مقام هو مقام الجمال ، ولذلك كان هشّا بشّا بساما ، وأمر أصحابه باللطف فقال : « من لطمك على خدك الأيمن فأدر له الخد الأيسر ، ومن أخذ ثوبك فزده رداك ومن سخرك ميلا فأحسن معه ميلين . ومقام نبينا محمد صلى اللّه عليه وسلم هو ومن كان على قلبه مقام الكمال فلذلك كان جامعا للحضرتين ، فكان أولى بالمؤمنين من أنفسهم في رحمة لهم ، وكان بالمؤمنين رحيما وكان من هو من أمته على قلبه ، أذلة على المؤمنين . فهذه المعاني هي نصيبه من الجمال . وكان عليه السلام هو ومن كان على قلبه أشداء على الكفار وهو من الجلال رحماء بينهم من مقام الجمال ، والجمع بينهما هو مقام الكمال . وكذلك كان رسولنا عليه السلام أفضل الرسل وأمته أفضل الأمم . فنعود ونقول معنى قوله : ولم ينعطف على الجنسية . يعني من مقام خلافة اسمه الجبار من اسمه ذي الجلال إذ هو من عالم الجلال ، وذكر الجنسية وإن كان صاحب هذا المقام غير مجانس للبشر ؛ إذ ذاك إشارة إلى ما كان عليه قبل الخلافة